فصل: مسألة يستأجر الرجل شهرا يحرث له فينكسر المحراث أو يموت الزوج:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يستأجر الرجل شهرا يحرث له فينكسر المحراث أو يموت الزوج:

من سماع سحنون بن سعيد من عبد الرحمن بن القاسم قال ابن القاسم في الرجل يستأجر الرجل شهرا يحرث له، فينكسر المحراث، أو يموت الزوج، أو يمطر فيحتبس اليوم وما أشبهه. قال: أما كسر المحراث وموت الزوج فإن الكراء فيه لازم؛ لأن حبسه جاء من قبل المحراث، ورب الزوج. وأما المطر فهو منع من الله، وهو بمنزلة المرض، فليس للأجير في ذلك إجارة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن المستأجر كان يقدر أن يعد زوجا غيرها، أو محراثا غيره، فإذا لم يفعل وجب للأجير أجره كاملا؛ لأن الحبس جاء من قبله، بخلاف المطر الذي هو من الله لا صنع لأحد فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة جعل لرجل جعلا في اقتضاء دين له في القرية التي هو فيها:

قال سحنون: قال علي بن زياد، سئل مالك عن رجل جعل لرجل جعلا في اقتضاء دين له في القرية التي هو فيها، ثم قدم صاحب الدين، فأراد أن ينزع عما جعل له، ويجعل لغيره، فقال مالك: لا أرى ذلك له إذا أخذ المجعول له في التقاضي والعمل.
قال سحنون: كل من جعل لرجل جعلا، فشرع المجعول له في ذلك الشيء، فليس للجاعل أن يخرجه على حال، وللمجعول له أن يخرج متى شاء، ولا يلزمه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه ليس له أن ينزع بعد أن شرع المجعول له في التقاضي والعمل؛ لأنه يبطل بذلك ما مضى من عمله، وإنما الخلاف هل له أن ينزع قبل أن يشرع المجعول له في العمل، أو ليس ذلك له، ويلزمه الجعل بالعقد؟ وقد مضى القول على ذلك في رسم العتق من سماع عيسى. وأما المجعول له فلا يلزمه التمادي على العمل، وإن شرع فيه؛ إذ لا ضرر على الجاعل في تركه العمل بعد شروعه فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة دفع إلى رجل فرسا على أن يعلفه سنة بستة دنانير:

وقال سحنون: سئل ابن القاسم عن رجل دفع إلى رجل فرسا على أن يعلفه سنة بستة دنانير، هل يجوز له؟ قال: نعم، لا بأس بذلك في الفرس، وفي العبد يعطيه سيده رجلا على أن يكفيه الرجل عوله من عنده سنة بكذا وكذا، فذلك جائز لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة من إجازة كراء الدابة بعلفها، والأجير بطعامه، وإن لم توصف النفقة، ولاسيما كيل علف الدابة؛ لأن ذلك معروف عند الناس، فاستغني فيه عن الوصف بالعرف، وبالله التوفيق.

.مسألة خاصم في القرية على أن له ثلثا ثم تصدق عليه بذلك الثلث:

قال ابن القاسم في مسألة الجعل في الذي خاصم في القرية على أن له ثلثا، ثم تصدق عليه بذلك الثلث، وقبضه وحازه، ثم قاموا عليه فقالوا: إن الجعل لا يجوز، وقال: إنما هي صدقة، فأقام البينة على صدقته، وأقاموا البينة على أنه أقر أنه إنما أخذه على جعله في الخصومة، وهم مقرون بالصدقة، وذلك أنهم قالوا: إنما فعلنا؛ لأنا ظننا أن ذلك يلزمنا، وإنما قاموا عليه بعد سنين.
فرأى أن إقراره لم يضره، ولم ير ما ادعوا من الجهالة في الصدفة ما ينتفعون به، وقال: كأنهم أعطوه إذ تصدقوا به عليه فيما كان وجب له من جعله. وذلك أنه إذا كانت تصير له إجارة، فكأنهم أعطوه هؤلاء الإجارة، ولم يعذرهم بالجهالة؛ لأنه قد أقام يحوزها سنين.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة هاهنا ملخصة محذوفة السؤال والجواب، ووقعت في رسم الأقضية، من سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات بكمالها، وبعض ألفاظها مخالفة لما لخصت به هنا، والمعنى فيها أن الرجل خاصم في القرية لأربابها، فلما استحقها لهم تصدقوا عليه بثلثها، فقبض الثلث وحازه، ثم إنهم قاموا عليه بعد سنين فقالوا: إنا كنا جاعلناك على الخصام في القرية بثلثها الذي دفعناه إليك، وذلك لا يجوز لك؛ لأنه جعل فاسد لا يجوز، وأقاموا البينة على إقراره بأنه أخذه على جعله، وقال: هو إنما أخدته بالصدقة، وأقام البينة على الصدقة، فأقروا بها، وقالوا: إنما تصدقنا عليك به؛ لأننا ظننا أن ذلك يلزمنا بالجعل الذي شارطنا عليه، فلم ير ابن القاسم إقراره بأنه أخذه على جعله ضائرا له؛ لأن بإزائه إقرارهم له بالصدقة التي ادعى، ولم يعذرهم فيها بالجهالة مع احتمال إقراره بأنه أخذه على جعله أنه أخذه فيما وجب له من الجعل، لا على أنه جاعلهم على ذلك.
واستظهر على ذلك في سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات باليمن، على أنه لم يقاطعهم بالثلث قبل الخصومة، وإنما طاعوا له بها بعدها شكرا ومكافأة عليها، من أجل ما تضمنه السؤال من أنه شهد عليه أنه ادعى عند القاضي أنه جاعلهم على الخصام عنهم في القرية على ثلثها، فلا يعد ذلك اختلافا من قوله، وسنتكلم على رواية يحيى إذا مررنا بها إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

.مسألة الصياح على المتاع في السوق على جعل:

قال سحنون في الرجل يستأجر على الصياح على المتاع في السوق على جعل: إن ذلك الجعل فاسد؛ لأنه يصيح النهار كله، وليس إليه إمضاء البيع وإمضاؤه إلى رب المتاع، فهذا جعل فاسد لا يدري أيعطى في السلعة ما يرضى به صاحب السلعة أم لا. ولو كان إمضاء البيع والنظر إلى الصائح، لم يكن بالجعل بأس، وقال سحنون: وهذه المسألة جيدة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة جيدة على ما قال سحنون، ولا يجوز الجعل على البيع إلا على أحد وجهين؛ إما أن يسمي له ثمنا، أو يفوض إليه البيع بما يراه، ولا اختلاف في هذا، ومثله لابن القاسم في بعض الروايات، في رسم حلف من سماع ابن القاسم، ذكر ذلك في المدنية من كتاب أوله الرجل يحلف بطلاق امرأته، وبالله التوفيق.

.مسألة البيع والإجارة في الشيء المبيع:

وسئل سحنون عن البيع والإجارة، فقال: جائز في غير ذلك الشيء، ولا يجوز في ذلك الشيء بعينه.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب سحنون، أن البيع والإجارة في الشيء المبيع لا يجوز عنده على حال، وهو جائز على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك فيما يعرف وجه خروجه بعد العمل كالثوب، على أن على البائع خياطته وما أشبه ذلك، وفيما لا يعرف وجه خروجه إذا كان يمكن إعادته للعمل، كالصفر على أن يعمل منه البائع قدحا، وما أشبه ذلك. وأما ما لا يعرف وجه خروجه، ولا يمكن إعادته للعمل كالغزل على أن على البائع نسجه، أو الزيتون على أن على البائع عصرها، أو الزرع على أن على البائع حصده ودرسه، وما أشبه ذلك فلا يجوز باتفاق، وقد مضى هذا المعنى في غير ما موضع من هذا الكتاب، ومن كتاب جامع البيوع، والله الموفق.

.مسألة يعلم الصبيان الكتاب ولا يشارط:

ومن كتاب جامع البيوع من مسائل نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد:
وسئل سحنون عن الرجل يعلم الصبيان الكتاب، ولا يشارط على شيء من تعليمه، فيجري له في الشهر الدرهم والدرهمين، ثم يحذقه المعلم فيطلب منه الحذقة، ويأبى الأب أن يغرم، ويقول: إن حقك فيما قبضت. قال سحنون: إنما ينظر في هذا إلى حال البلد وسنتهم في ذلك، فيحملون على ذلك، إلا أن يكون رجلا اشترط شيئا فله شرطه. وأما الحذقة فليس فيها شيء معروف، إلا على قدر الرجل وحاله.
قال محمد بن رشد: إنما سئل أولا عن الحذقة، هل يقضي بها، فقال: إنه ينظر في ذلك إلى حال البلد وسنتهم، فيحملون على ذلك، فقوله بعد ذلك: وأما الحذقة فليس بوجه الكلام؛ إذ عليها تكلم أولا، فكان من حق الكلام أن يقول: وليس فيها شيء معروف إلا على قدر الرجل وحاله. وإيجابه القضاء بالحذقة إذا كانت جارية بالبلد، وإن لم تشترط هو على أحد قولي مالك في رسم القبائل، من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، وفي رسم لم يدرك، من سماع عيسى منه، في أن هدية العرس يقضى بها، وإن لم تشترط إذا كانت جارية بالبلد، ولم يحكم بها في قوله: إنه يقضى بها بحكم الصداق كالمشترطة، ولا بحكم الهبة، وإنما حكم لها بحكم الصلة التي يراد بها عين الموصول، فأبطلها بموت من مات منهما. وكذلك يجب في الحذقة على قياس قوله ألا يقضى بها لورثته إن مات على الأب، ولا على ورثة الأب إن مات المعلم، وإنما يقضى بها للمعلم على الأب في حياتهما، وعلى هذا يأتي قول ابن حبيب؛ لأنه فرق بين الحذقة المشترطة والواجبة بالعرف في موت الصبي أو إخراجه قبل بلوغه إلى الحذقة حسبما مضى القول فيه في رسم البيوع الأول من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة حمل طعاما في سفينة فغرقت بعد أن بلغت الساحل:

وقال في رجل حمل طعاما في سفينة، فلما انتهت السفينة نصف البحر غرقت بعد أن بلغت الساحل. قال: لا كراء لصاحب السفينة. قلت: فلو حمل طعاما من الإسكندرية إلى الفسطاط في سفينة، فغرقت في بعض الطريق، فاستخرج بعض الطعام، فحمل على غيرها إلى الفسطاط؟ قال: لرب السفينة التي غرقت من كراء الطعام الذي أخرج بقدر ما انتفع به صاحبه من بلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه السفينة.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما قال ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة في أن كراء السفن على البلاغ، وعلى هذا يأتي ما في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب، في أنه لا كراء لصاحب المركب فيما ألقى من المتاع في البحر لهو له، وإليه ينحو قول أصبغ في نوازله من الكتاب المذكور.
وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. والقياس قول ابن نافع في المدونة أن لها بحساب ما بلغت؛ لأن الكراء على البلاغ أخذ بشبه من الجعل والإجارة، وليس بجعل محض، ولا بإجارة محضة، فهو استحسان. وكذلك قول ابن القاسم في المدونة: إن ما عثرت به الدابة أو الحمال على ظهره فتلف؛ أنه لا ضمان عليه، ولا كراء له هو استحسان أيضا، والقياس قول غيره أن له كراء ما سار من الطريق؛ لأن الضمان إذا سقط عنه، فهو بمنزلة ما تلف بأمر السماء، وبالله التوفيق.

.مسألة استأجروا أجيرا يحرس لهم أعدال متاع:

وسئل عن قوم استأجروا أجيرا يحرس لهم أعدال متاع لكل رجل منهم العشرة الأعدال، والخمسة، والثلاثة، هل تكون الإجارة على قدر عدد ما لكل رجل منهم من الأعدال، أو تكون على عدد القوم؟ قال: الإجارة في مثل هذا تكون على عدد الرجال، ولا تكون على عدد الأعدال؛ لأن الحارس يتمون في القليل من المتاع، أو في النظر إليه، ويرد النوم عنه، كما يتمون في الكثير.
قيل له: وكذلك لو استأجروا أجيرا يحرس لهم حبال مقاثي، وهي مختلفة الطول والعرض والعدد، يكون لأحدهم حبلان، وللآخر ثلاثة، والكرم يكون لهم على هذه الحال، وبعضها أكبر من بعض، وأكثر عددا؟ قال: نعم، الجواب واحد في المسألتين جميعا. قلت: أرأيت إن استأجروه على أن يجمع لهم ثمر هذه الكروم والحمال والمقاثي، أو على أن يحرسها ويجمع ثمرتها، وهي في القرب واحد بعضها قريبة من بعض، بدراهم مسماة جملة واحدة؟ قال: إذا استأجر قوم أجيرا على عمل مختلف مثل أن يكون لأحدهم عشرة فدادين، ولآخر خمسة، ولآخر واحد، فهذا عمل، وعمل القليل والكثير ليس بسواء، وهو عندنا فاسد؛ لأن عمله يكون على كل قوم بقدر قيمة ماله فيقسم الكراء على ذلك، فلا يدري ما أجر نفسه به من كل واحد إلا من بعد القيمة، مثل الرجلين يبيعان العبدين بمائة دينار من رجل، وهما مختلفا القيمة، فيكون كل واحد منهما لا يدري بما باع به سلعته إلا بعد القيمة، فكذلك الأجير لا يدري ما يتبع به كل واحد إلا من بعد القيمة، وقد قال ابن القاسم في مسألة العبدين: إنه جائز، وذكر عن مالك ما يشبه، وهو قول أشهب: إنه جائز في الشراء.
قال محمد بن رشد: قوله في أجرة الأجير على حرز الأعدال للجماعة من الناس: إنها تكون على عدد الرءوس لا على عدد الأعدال، هو على قول ابن القاسم في كتاب الأقضية من المدونة في أجرة القيام: إنها تكون على عدد الرءوس لا على قدر الأنصباء، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم، فروى يحيى عنه في أول سماعه من كتاب البضائع والوكالات في أجرة الأجير على الخصام، أنها تكون على قدر الأنصباء لا على عدد الرءوس، وهو الأظهر، وإليه ذهب أصبغ في نوازله، من كتاب السداد والأنهار.
وقال به محمد بن عبد الحكم، واحتج بقوله: إن الأجرة إن جعلت على عدد الرءوس ربما صار على القليل النصيب من الأجرة أكثر من قيمته، وهو كما قال. وأما إذا استأجره جماعة على جمع ثمار كرومهم، فقوله: إن ذلك غير جائز، وهو فاسد عندئذ، جار على اختلافهم في إجازة جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، فهو بين على ما قال، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة كراء أحواض الملح أشهرا معلومة بالدنانير والدراهم أو العروض:

وسئل سحنون عن الرجل يكون له الأحواض من الملح، ويكون له شرب معروف من بين، فيريد أن يقبلها لأشهر معلومة بالدنانير والدراهم، قال: إذا كان كما ذكرت من معرفة شربها، فلا بأس بذلك.
قلت: فإن أراد يقبلها أشهرا بملح يكون عليه مضمونا، أترى بذلك بأسا؟ قال: إذا كان مضمونا على المستأجر، فلا بأس بذلك.
قلت: فلو استأجره بثلث ما يرفع فيها أو النصف؟ قال: ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل الثلاث عابها الناس قديما وحديثا، واعترضوها وقالوا: إنها مخالفة للأصول، والأولى أخفها. ووجه الاعتراض فيها أنه قد علم أن الحر إذا اشتد كثر عقد الملح، وإذا خف قل عقده، فكراؤها أشهرا معلومة بالدنانير والدراهم أو العروض ينبغي ألا يجوز، كما لا يجوز شراء ما أطعمت المقثاة أشهرا؛ لأنه إذا اشتد الحر كثر حملها، وإذا كان البرد قل حملها. ووجه تفرقة سحنون بين المسألتين أن نبات المقثاة لا عمل للمشتري فيه، وإنما يكون على قدر ما يكون في تلك المدة من الحر أو البرد، وأما عقد الملح، فإن كان يكثر بشدة الحر، ويقل بقلته، فإن لخدمة المكتري في ذلك تأثيرا، فقد تقل الملاحة بكثرة الخدمة مع قلة الحر، أكثر مما تقل مع كثرة الحر، وقلة الخدمة، وإن تركت خدمتها أصلا، ولم يجلب الماء إلى أحوضها، لم يكن فيها من الملح قليل ولا كثير. وهو فرق بين، والإجازة فيها أظهر من المنع.
أو أما كراؤها لجميع مدة الملح من العام بالدنانير والدراهم والعروض نقدا وإلى أجل، فلا اعتراض في ذلك، ولا إشكال في أن ذلك جائز، وأما كراؤها أشهرا مسماة بكيل من الملح، يكون على المكتري مضمونا، أو بجزء مما يخرج منها، فأجاز سحنون ذلك في هذه الراوية، وروى زياد عن مالك أنه قال: أكره أن يعطي الرجل ملاحته على النصف أو الثلث، أو ببعض ما يخرج منها.
ووجه رواية زياد في كراهيته لكرائها أشهرا معلومة بكيل من الملح يكون على المكتري مضمونا، هو أن الملح الذي يأخذه المكري من المكتري، هو من الماء الذي دفع إليه، فأشبه ذلك من سلف كتانا في ثوب كتان أو صوفا في ثوب صوف.
ووجه ما ذهب إليه سحنون من إجازة ذلك، وتفرقته بين المسألتين، هو أن جل الكراء إنما وقع على الأحواض؛ إذ لا منفعة له في الماء دونها والماء تبع لها؛ إذ لو اكترى منه الأحواض دون الماء على أن يسوق إليها الماء، لم ينتفع صاحب الماء بمائه؛ إذا لم تكن له أحواض يسيره إليها، فكان ذلك بخلاف الذي أسلم كتانا في ثوب كتان أو صوفا في ثوب صوف؛ لأنه يعطيه الثياب من عين ما دفع إليه من الكتان أو الصوف، وإنما تشبه المسألتان لو باع منه شرب الملاحة دون الأحواض على أن يسوقه المبتاع إلى أحواض نفسه بكيل من الملح يكون عليه مضمونا.
وأما كراؤها بالجزء منها، فوجه الكراهة فيها أنه كراء بثمن مجهول؛ لأن الجزء قد يقل ما يحصل فيه من الملح وقد يكثر، ووجه ما ذهب إليه سحنون من إجازة ذلك، هو أن المعنى في ذلك أنه لم يعتبر لفظ الإجارة، ورآها شركة كالمزارعة، جعل صاحب الملاحة أحواضه وشربه من الماء، وجعل الآخر خدمته في ذلك على أن يكون ما أخرج الله فيها من الملح بينهما بنصفين، أو على الثلث، أو الثلثين، أو ما أشبه ذلك، فوجب أن يجوز؛ لأن الشرب من الماء كالبذر في المزارعة، وهو توجيه فيه ضعف لإفصاحهما بلفظ الإجارة، ولو لم يفصحا بلفظ الإجارة، وأفصحا بلفظ الشركة لوجب أن يجوز، كما لو تزارع الرجلان على أن يجعل أحدهما الأرض، والبذر والآخر العمل وحده؛ لكانت مزارعة جائزة، فكذلك الملاحة.
فتحصيل القول في هاتين المسألتين أنهما إن أفصحا فيهما بلفظ الإجارة لم يجز، وإن أفصحا في مسألة الملاحة بلفظ الشركة، وفي الثانية بلفظ المزارعة جازتا جميعا، وإن أتيا في كل واحدة منهما بلفظ محتمل للوجهين، تخرج ذلك على قولين، وبالله التوفيق.

.مسألة يأتي بدابته لينزي عليها فيقول لصاحب الفحل أنزه على هذه الدابة مرتين بدرهم:

وسئل عن الرجل يأتي بدابته لينزي عليها، فيقول لصاحب الفحل: أنزه على هذه الدابة مرتين بدرهم، فيرضى صاحب الفحل فينزيه له ضربة فتعق الدابة، أترى له عليه نزوة أخرى إن أراد أن يأتي بدابة أخرى، أم ماذا له في ذلك؟ قال سحنون: أرى أن يرجع عليه بنصف الأجرة؛ لأن ذلك عندي بمنزلة المرضع تستأجر على رضاع صبي سنة فترضع ستة أشهر، ثم يموت الصبي، فإنها تأخذ بحساب ما أرضعت، ولا يكون لها ولا لهم أن يأتوها بصبي آخر.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة إحدى المسائل الأربع التي تنفسخ الإجارة فيها بذهاب الشيء المستأجر له. وقد مضى القول في هذا المعنى مقسما ملخصا مستوفى في رسم العتق، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة أعطى رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل فلما قبض الدنانير ضاعت من عنده:

وسئل سحنون عن رجل أعطى رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل، فلما قبض الدنانير ضاعت من عنده. هل يكون له الجعل الذي جعل له؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا بين كما قال؛ لأنه لما باع الثوب وجب له الجعل، فليس ضياع الثمن منه بعد ذلك بالذي يسقط له ما وجب له من الجعل. ووقع في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرواحل والدواب، فيمن تكارى حمالا، وبعث معه بدنانير إلى موضع ليبتاع له بها طعاما، فرجع وزعم أن الدنانير ضاعت منه أنه يحلف لقد ضاعت منه الدنانير، ولا يكون له فيها مواجرة.
فذهب بعض الناس إلى أن المسألتين متعارضتان، وليس ذلك بصحيح؛ لأن مسألة سحنون جعل على بيع، فوجب للمجعول له جعله بالبيع، ومسألة مالك إجارة على الذهاب بالمال إلى بلد آخر، وشراء سلعة به، فلما ضاع منه المال بالطريق قبل الشراء لم يكن له فيما مضى منه أجرة؛ لأن تلف المال جاء منه، وذلك على أصله في المدونة في الذي يستأجر الحمال على حمل شيء بعينه، فيعتر به فيذهب، أنه لا ضمان عليه ولا كراء له، خلاف قول غيره، وبالله التوفيق.

.مسألة الصائح على الدقيق والعقار يقال له صح عليه فإن بعت فلك كذا وكذا:

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الصائح على الدقيق والعقار يقال له: صح عليه، فإن بعت فلك كذا وكذا، وإن لم تبع فلا شيء لك. قال ابن القاسم: ذلك مختلف، أما مثل الرأس الذي يؤمر ببيعه، أو الدار تباع، فإن ذلك يجوز فيه هذا؛ لأنه قد صاح فيه أياما كثيرة، وهو ينظر في حوائجه في خلال ذلك. قال ابن القاسم: وأما كل ما يباع من عاجل، فذلك لا يكون إلا بأجرة.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم شك في طوافه، وفي رسم حلف، من سماع ابن القاسم بيان وجه الكراهة في المجاعلة على الصياح، على الرقيق والثياب الكثيرة، فلا معنى لإعادة ذلك، وكذلك العقار الكثير، وأما الثوب والثوبان، والرأس والرأسان، فالمجاعلة على بيع ذلك جائز، إذا سمى لكل ثوب أو رأس منها جعلا، وكان مما لا يباع من عاجل؛ إذ ما يباع من عاجل ويتيقن وجود الثمن فيه، لا يجوز فيه الجعل على ما قال؛ لأن الجعل إنما يكون فيما إن بلغه المجعول له استحق جعله، وإن قصر عنه لم يكن له شيء، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لرجل اقتض ما لي على فلان ولك ثلثه أو نصفه:

من سماع أصبغ من كتاب البيوع الثاني قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن رجل قال لرجل: اقتض ما لي على فلان وهو كذا وكذا، فما اقتضيت من شيء فلك ثلثه أو نصفه، فمات المجعول له، وقد اقتضى بعض المال، أو لم يقتض شيئا، أو مات الجاعل، أو مات الذي عليه الحق. فقال: إن مات الذي جعل له، وقد عمل فورثته مكانه، يقومون مقام أبيهم إن كانوا أمناء، ما دام صاحب الحق حيا، وإن كان المجعول له مات قبل أن يقتضي شيئا، فلا حق لورثته بمنزلة القراض سواء، يريد إذا لم يعمل الميت بالقراض، ولم يشغله، ولا شيئا منه، فلا شيء لورثته، فهذا مثله، وإن مات رب المال الجاعل، لم يكن للذي جعل له استتمام ما لقي، ولا لورثته إن هو مات؛ لأنه أمر إنما كان يلزم الجاعل ما دام حيا، فإذا مات فقد صار المال لغيره، وانفسخ عنه ما جعل له؛ لأنها لم تكن إجارة لازمة، وقد كان المجعول له متى شاء أن يخرج خرج.
ومما يبين ذلك، أن لو هلك رب المال، وعليه دين يحيط بماله، فأراد المجعول له أن يقوم بالتقاضي كما هو، وأبى ذلك الغرماء، وقالوا: قد صار المال مالنا، وليس لك أن تنقصنا من أموالنا لما جعل لك، فإن ذلك لهم. وكذلك لو فلس رب المال الجاعل لسقط جعل الأجير، يريد من ذي قبل فيما لم يقبض، وكان لغرمائه يقتسمونه، وكذلك الورثة بمثابتهم؛ لأن المال خرج إلى ورثة رب المال.
قال: وإن مات الذي عليه الحق، وقد اقتضى المجعول له بعض الحق قبل أن يموت، وفات أو مات الذي عليه الجعل، فهو على جعله الذي جعل له صاحب الحق، يقوم بتقاضيه إن أحب، كان اقتضى قبل ذلك شيئا أو لم يقتض، وهو بمنزلة ما لو أراد صاحب الحق أو غيره من غرماء الميت الذي عليه الحق أن يفلسوه، كان المجتعل على جعله، فالموت في هذا والفلس واحد، وورثة الأجير هاهنا بمنزلته إذا كانوا أمناء مثل القراض. قاله أصبغ كله على الاتباع والاستحسان، وفي بعضها بعض المغمز والانكسار على القياس والكلام.
قال محمد بن رشد: تفرقته في موت المجعول له بين أن يموت قبل أن يقتضي شيئا، يريد قبل أن يعمل في الاقتضاء، وبين أن يموت، وقد عمل في الاقتضاء، يريد وإن لم يقتض شيئا بعد، وتنظيره إياه بالقراض صحيح على القول بأن الجاعل يلزمه الجعل بالعقد، وإن لم يشرع المجعول له في العمل؛ فيكون لورثة المجعول له إن كانوا أمناء، أو أتوا بأمين أن يقوموا مقام مورثهم.
وأما قوله: إنه إن مات رب المال الجاعل لم يكن للذي جعل له استتمام ما بقي، ولا لورثته إن هو مات، فالمعنى في ذلك عندي إذا كان قد اقتضى البعض، وبقي البعض، لأن ما اقتضى قد وجب له فيه جزؤه، فلم يخسر عناءه جملة. وهذا الموضع هو الذي قال فيه أصبغ: إنه استحسان، وإن فيه مغمزا وانكسارا على وجه القياس. وهو كما قال؛ لأنه إذا اقتضى البعض، فقد لزم الجاعل الجعل، وإذا لزمه لم يسقط عنه بموته، ولزم ورثته من ذلك ما لزمه في وجه النظر والقياس على الأصل.
وأما لو مات الجاعل بعد أن عمل المجعول له في الطلب والشخوص والقيام، وقبل أن يقتضي شيئا، لما صح أن يبطل حقه في ذلك بموت الجاعل فيذهب عناؤه باطلا، ولوجب أن يكون له ولورثته إن مات القيام مكانه في اقتضاء ما كان قام عليه فيه، وأشرف على اقتضائه منه دون خلاف، كما أنه لو كان الجعل في غير اقتضاء الديون، مثل أن يجعل له جعلا في طلب آبق، أو في حفر بئر، فمات الجاعل بعد أن حفر المجعول له بعض البئر، أو خرج في طلب الآبق؛ للزم ذلك ورثته، ولم يقع في ذلك خلاف.
ولو كان الجعل في مثل الحصاد، واللقط بأن يقول له: ما حصدت من زرعي هذا، أو لقطت من زيتوني هذا، فلك نصفه أو ثلثه، فمات الجاعل بعد أن حصد بعض الزرع، أو لقط بعض الزيتون، لم يكن للمجعول له التمادي على الحصاد، ولا على اللقط دون رضا ورثة الجاعل بلا خلاف؛ لأن ما حصد أو لقط قد وجب له حقه فيه، وما لم يحصد ولم يلقط، فليس له فيه عمل يذهب بخروجه، فقف على افتراق أحكام هذه المسائل الثلاث لافتراق معانيها، والجعل على الاقتضاء يكون لورثة الجاعل أن يمنعوا المجعول له من التمادي على الاقتضاء في الاستحسان دون القياس. والجعل على الحفر وطلب الآبق وشبهه ليس لهم أن يمنعوه من التمادي على الحفر والطلب في استحسان ولا قياس. والجعل على الحصاد واللقط وشبهه لهم أن يمنعوه من التمادي على الحصاد واللقط في الاستحسان والقياس.
وقوله: إن الجعل على الاقتضاء لا ينفسخ بموت الذي عليه الدين، ولا بتفليسه صحيح لا وجه للقول فيه، والله الموفق.

.مسألة يقول اقتض لي مائة على فلان ولك نصفها:

قال أشهب في كتاب البيع والصرف في الرجل يقول: اقتض لي مائة على فلان، ولك نصفها، فقال: لا يعجبني. فقيل له: فإن قال: وما اقتضيت من شيء فعلى حسابه؟ قال أشهب: لا يعجبني على حال. قال أصبغ: كرهه لأنه من باب الجعل في الخصومة. وقال ابن وهب مثل قول ابن القاسم إذا قال: اقبض لي مائة دينار على فلان ولك نصفها أو ما اقتضيت من شيء، فلك نصفه فلا بأس به. وقال ابن وهب: إذا قال: اقبض ما لي على فلان، ولم يقل: فهي كذا وكذا، ولك نصفها، فلا خير فيه، أو هو بمنزلة الرجل يعطي الرجل الثوب، فيقول له: بعه بما وجدت، ولك من كل دينار درهم، فلا خير فيه، وهذا مثله.
وإن قال له: بعه بخمسة دنانير، ولك في كل دينار درهم لم يكن به بأس. قال أصبغ: والذي آخذ به قول ابن القاسم فيها، سمى عدة الدنانير أو لم يسم. قال أصبغ: وسواء في موت رب المال عمل المجعول، وكان اقتضى شيئا، أو لم يقتض ينفسخ ما بقي إن كان عمل بعضه أو كله، أو لم يكن عمل في قول ابن القاسم. وهذا رأيي كله.
قال محمد بن رشد: هكذا وقع في هذه المسألة من قول ابن وهب، وابن القاسم إذا قال: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، أو ما اقتضيت من شيء فلك نصفه. ووقع في بعض الكتب، وما اقتضيت من شيء بإسقاط الألف. فإذا ثبتت الألف اقتضى ثبوتها أنه يجوز عند ابن القاسم، وابن وهب أن يقول الرجل للرجل: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، وإن لم يقل، وما اقتضيت من شيء فلك نصفه.
وإذا أسقطت الألف اقتضى سقوطها أنه لا يجوز عندهما أن يقول الرجل للرجل: اقبض لي مائة دينار على فلان، ولك نصفها، إلا أن يقول: وما اقتضيت من شيء فلك نصفه، والاختلاف في هذا إنما يرجع إلى الاختلاف فيما يحمل عليه اللفظ؛ إذ ليس بصريح في الجعل ولا في الإجارة، فمن حمله على الإجارة أجازه، ومن حمله على الجعل لم يجزه.
وأما إن قال: وما اقتضيت من شيء، فلك نصفه، فلا اختلاف بينهم في أن ذلك محمول على الجعل، وأن ذلك جائز إلا على مذهب أشهب، الذي لا يرى المجاعلة على اقتضاء الديون جائزة على حال، وإن سمى عددها، وشرط أن له مما اقتضى منها بحساب ذلك. وأما إن لم يسم عدد الدين، فلا تجوز المعاملة على اقتضائه بجزء منه، إلا على وجه الجعل بأن يجعل له من كل شيء يقتضيه بحساب ذلك، فلا يجوز أن يقول: اقبض ما لي على فلان، إذا لم يقل: وهو كذا وكذا، ولك نصفه إلا أن يقول: وما اقتضيت من شيء فلك نصفه، فإذا قال ذلك حمل على الجعل باتفاق وجاز. وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي هذا بيان، وبالله التوفيق.